أحمد بن يحيى العمري
20
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ثمّ قال ، أعني الثعالبي « 1 » : وليس اليوم مجالس الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس ، ولا أقلام كتّاب الرسائل أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين ، وقد ألّفت الكتب في تفسيره ، وحلّ مشكله وعويصه ، وكسرت الدفاتر على ذكر جيّده وردّيه ، وتكلّم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه ، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه « 2 » ، وتفرّقوا فرقا في مدحه ، وذمّه ، والقدح فيه والنصح عنه ، والتعصّب له وعليه ، وذلك أدلّ الدلائل على وفور فضله ، وتقدّم قدمه ، وتفرّده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي ، ورقّ المعاني ، والكامل من عدّت سقطاته ، والسعيد من حسبت هفواته ، وما زالت الأملاك تهجى وتمدح . وانتهى كلام الثعالبي . ولعمري لقد أوردها مشتملا ، وذاد لها مرعى خضلا ، واستصحب الحال في إعجاب الناس به من ذلك الزمان وهلم جرا وإلى الآن حتى بلغت شروحه أربعين شرحا ، فمن بين بان له صرحا ، وبين مبالغ فيه جرحا ، وإنّه لمنقطع القرين ، وليث في عرين ، ولولا خشية مستدرك لا يدري ما ضمير الشأن « 3 » لأضربنا عن انتقاء شعره في هذا الديوان اكتفاء بشهرته في الأذهان ، وعملا على أنّه الشمس لا تخفى بكلّ مكان ، وإذا كان لا بدّ من الذّكر فمن مخترعه البكر ، وأبياتها التي ليس لأحد عليها حكر ، قوله في الحكم والآداب والمواعظ : [ الكامل ] الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أوّل وهي المحلّ الثاني « 4 » 6 / فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة * بلغت من العلياء كلّ مكان ولربّما طعن الفتى أقرانه * بالرأي قبل تطاعن الأقران
--> ( 1 ) تنظر اليتيمة ، 1 / 140 . ( 2 ) العون : جمع عوان وهي النّصف من النساء . ( 3 ) في كلام المؤلف نبرة من السخرية بذلك القريب من الجهل ومع ذلك يستدرك وينتقد . ( 4 ) مطلع قصيدة طويلة عدّتها أربعون بيتا . ينظر الديوان ، 4 / 174 ، وما بعدها ، واتّخذت هذا النهج في تخريج شعر المتنبي وحده وذلك لمكانه في الشعر العربي ، ومحلّه المعروف بين الشعراء ، أمّا بقية الشعراء